محمد طاهر الكردي
57
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وانضم إلى مطافئ مكة مطافئ جدة ومطافئ المطار ، وأرسلت إدارة عين زبيدة وإدارة القصور ووزارة الدفاع معداتها ورجالها وناقلات الماء ، لتنضم إلى فرق المطافئ لحصار النار وإطفائها ، فبذلوا جهودا جبارة في مكافحة النيران القوية التي كانت تلتهم كل شيء في سرعة فائقة لا تتصور ، حتى خمدت وانطفأت قبل فجر تلك الليلة بساعة واحدة ، ولولا لطف اللّه تعالى ورحمته لاحترقت محلّة سويقة وما يجاورها من محلة الشامية " إن اللّه رؤوف بالعباد " لكن لا تزال النار مشتعلة قليلا تحت المنازل المهدومة وتحت الدمار ، ولا يزال الجنود ورجال المطافئ بمعداتهم يحاصرون الحريق نحو خمسة أيام إلى يوم الجمعة . ولقد خرجت النساء والأطفال والرجال من المنازل التي تحترق وهم مذعورون ، بعضهم أخذ ما قدر من ماله وأمتعته ، وبعضهم خرج بنفسه وبأهله لا يلوي على شيء ، وقصدوا بأمتعتهم إلى المسجد الحرام يلتجئون إليه . وبعضهم فقد أهله وولده فاحترقوا بالنار أو ماتوا تحت هدم الدور والمنازل . ويقدّر عدد الذين أصيبوا في هذا الحريق نحو اثني عشر شخصا ، وعدد الذين ماتوا فيه نحو عشرة أنفس ، وعدد ما احترق من المنازل بأمتعتها وأثاثها أربعة وأربعون منزلا ، وعدد ما احترق من الدكاكين سبعة وأربعون دكانا بما فيها من البضائع المختلفة ، وقد عمّ الحزن والأسى أرجاء مكة . ومما هو جدير بالذكر والشكر ، أنه تكوّنت ، إثر هذا الحريق ، عدة لجان في مكة وجدة والطائف وغيرها ، لمساعدة المنكوبين في هذه الكارثة بجمع التبرعات من أهل الخير والفضل . وإن من أعظم لطف اللّه تعالى بعباده في هذه الحادثة ، هو وقوف الهواء في هذه الليلة وقوفا تاما ، فلو تحرّك الهواء لاشتعلت النار أكثر فامتدّ الحريق إلى جهات متعددة في البلدة ، فالحمد للّه الذي قدر هذا أو لطف فيه " واللّه رؤوف بالعباد " . فيكون ما بين هذا الحريق الثاني الذي وقع في زماننا ، وبين الحريق الأول الذي وقع في رباط " رامشت " الذي احترق منه المسجد الحرام فعمره أحد سلاطين آل عثمان بالحجر والقباب بدلا عن الأخشاب ، هو ( 576 ) سنة خمسمائة وست وسبعين سنة تماما ، ولقد قلنا أن هذا الحريق هو الحريق الثاني والحريق الذي وقع في سنة ( 802 ) هو الحريق الأول ، بالنظر إلى أن الحريق كان عظيما هائلا التهمت النيران فيهما نحو مائتي منزل ودكان بما فيها من الأثاث والبضائع ، ولم نعد الحرائق